العودة للخلف

(1) حاشية البيقونية - المقدمات

تاريخ النشر: 12 / 09 / 2026
: 3

مقدمة

الحمد لله الذي يُعلِّم مَن اتقَاه، ويُفهِّم مَن يحفظُ حدودَه ويَخشَاه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له أحاطَ بكلِّ شيء علمًا، وأحصَى كل شيءٍ عددًا.

وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، أنزل عليه الكتاب وجمَعُه له في صدْره، فدعا به وبشَّر، وعلَّم بهِ وذكَّر، وجَاهَد به وأنذر ﷺ.

أما بعد:

فقد يسّر اللهُ الكريم لي ووفقني -وله الفضل والمنة- وأعانني على خدمة طائفة من المتون العِلميّة المفيدة في فنون شتى، ضبطًا ومقابلةً وإقراءً وتدريسًا، واستفدنا علمًا وفيرًا ولله الحمد كثيرًا.

ومن بين تلك المتون العلميَّة: (منظومة البيقونـي).

وهي من أحسن منظومات مصطلح الحديث المختصرة للمبتدئين، لسلاسة ألفاظها، وعذوبتها، وانسجامها، وسهولتها، وقد جعَل الله سبحانه فيها بركةً عظيمةً، فأكثر الطلاب -بعده- أوَّل ما يبدؤون هذا العلم: بها، حفظًا، ودراسة، وتفهُّمًا.

ولهذا فقد كثُرت شروحها وحواشيها جدًّا، وذلك دليل على عِظَم نفعها، فأحببت المشاركة بهذه الحاشية وهي في الأصل دروس مفرّغة، قرأتها وصحّحتها وأضفت إليها، نفعَ اللهُ بها كما نفعَ بأصْلها.

ونسأله أنْ يكتُبَ لنا بها أجرًا وأن يجعلَها لنا عنده ذُخْرًا. ونسأله أن يتوفَّانا على الإسلام والسُّنة، وأن يُعيذَنا من جميع الفتن، إنه خير مسئول وأعظم مأمول.

كتبه

أبو محمّد عبدالله بن أحمد بن لَـمْح الخولانـي

مـحرَّم - سنة 1445 هـ

 

ثمَّ قرأتها وصحَّحتُ مواضع منها للطبعة الثانية في أيام من شهر ذي القعدة الشهر الحرام وواسطة شهور الحج، من عامه. والحمد لله رب العالمين.

تعريف بالناظم والمنظومة

تعريف بالناظم

ليس للناظم ترجمة مطوَّلة فيما نعلم، قال الكتاني([1]): عمر بن محمد بن فتوح البيقوني الدِّمشقي الشافعي. ووقع في «معجم المؤلفين»([2]): طه بن محمد بن فتوح البيقوني، وقال: كان حيًّا قبل 1080 هـ. ومنظومته هذه تدلُّ على أنَّه كان من المعتنين بعلم الحديث، وأصوله.

تعريف بالمنظومة

أما عدد أبياتها: فالناظم  رحمه الله  ذكر أنَّ المنظومة أربعة وثلاثين بيتًا فقال: (فوق الثلاثين بأربع أتت).

وأما وصفها: فهي منظومة سهلة في عدِّها سَلِسَة في ألفاظها وغزيرة في علمها كثيرة فوائدها ينبغي علينا أن نعتني بها مرّة تلو المرة، فمَن لم يدرسْها فليدرسْها ومَن لم يتقنها فليكرّر دراستها، ومَن أتقنها فليعلّمْها لغيره ولو لواحد يدرّسه إياها فيثبّت معلوماته ويثبت أجره بإذن الله تعالى.

وأما عدد أنواع الحديث المضمنة فيها: فقد اشتملت على أحد وثلاثين نوعًا من أنواعه المذكورة في المطولات.

وأما منهج ناظمها: فإنه راعى في أولها الترتيب المشهور في أقسام الحديث فبدأ بالصحيح ثمَّ ثنى بالحسن ثم ثلّث بالضعيف، وهكذا. لكنه بعد ذلك قدّم وأخر حسبما اتفق فقدّم المسلسل والعالي والنازل والعزيز والمشهور، وغالبًا ما يؤخِّرون هذه الأنواع تبعًا لترتيب ابن الصلاح.

وحقّق الناظم شرطه وهو: أنه يذكر لقب القسم، وتعريفه، كما قال: (وكل واحد من الأقسام أتى مع حده).

ومن حيث الحد: فالناظم يذكر الحدّ:

- فتارة يقدّمه على اللقب. كما فعل في الضعيف والمتصل والموقوف والمنقطع والمضطرب والمدبج وغيرها.

- وتارة يؤخّره، كما فعل في المسند والمسلسل والعزيز والمبهم والمرسل والغريب والمعضل والفرد والمدرج وغيرها.

- وتارة يذكُر اللقب ثمّ الحد، ثم المثال كما في المسلسل.

وبالنسبة للمثال: فيندر أن يذكر الناظم المثال، ومنه قوله في نوع المسلسل: «مثل أما والله أنباني الفتى ...» وقوله: «كعن سعيد عن كرم» لكن وقع المثال هنا في هذا القسم  كالحدّ لـ :«المعنعن».

وأما التقسيم: فالناظم  رحمه الله  قد يذكر التقسيم كما في المقلوب، والمدلس، والمسلسل أيضًا لكنه أشار إلى التقسيم فيه بالأمثلة.

لكن هاهنا أمر مهم: وهو أنَّ الناظم وإن ذكر التقسيم أحيانًا لكنه يقتصر غالبًا على أحد نوعين مما يتنوّع، كما في أقسام: الغريب والفرد والشاذ والمنكر والمقلوب والمبهم، والمدرج. فإنه فيها كلها ذكر أحد النوعين.

فذكر في الغريب: المطلق دون النسبي.

وفي الفرد: العكس.

وفي الشاذ: ذكر النوع الذي بقيد المخالفة.

وفي المنكر: العكس.

وأما المقلوب فهو وإن قسّمه إلى قسمين فإنهما قسمان لأحد نوعيه وهو مقلوب السند، ولم يتعرّض الناظم لمقلوب المتن.

وكذا المبهم ذكر النوع المهم وهو المبهم في السند دون المبهم في المتن. وعكس في المدرج فلم يتعرَّض للمُدرج في الإسناد واقتصر على المبهم في المتن.

وفي ذلك نكتة نفيسة: وهي أنَّ الناظم إذا تشابه قسمان في التنويع اقتصرَ في كلٍّ منهما على نوع، كما في الغريب والفرد، فذكر في الغريب: التفرّد المطلق. وفي الفرد: التفرد النسبي.

وكذا فعل في نوعَي الشاذ والمنكر، ذكر في الشاذ الذي بقيد المخالفة، وفي المنكر: الذي من جهة تفرد مَن لا يحتمل بدون تعرّض لمخالفة غيره.

وهذا من ربانيّته  رحمه الله  وحُسْن تصنيفه ومراعاته للمبتدي حتى لا يُشكل على المبتدي وجه الفرق لو ذكر النوعين في القسمين أي ما كان بقيد المخالفة أو التفرّد. وليحسن البناء فإذا أتقنَ الحديثيّ أنّ الشاذ: يكون بقيد المخالفة؛ فإنه إذا ارتفع في الدراسة بني عليه النوع الآخر الذي بقيد التفرّد، وأضافه إليه. وقل مثله في المنكر.

وقل مثل هذا في نَوْعَي: الغريب والفرد. فرحمه الله وغفَر له.

والناظم  رحمه الله  يحاكي ألفيّة العراقي في بعض الأنواع ويَستفيد منها فيما يظهر لي كما هو واضح في نوع (الحسن) و(الضعيف) و(المدلس) و(الشاذ) و(الفرد).

مقدمات مهمة

دائما في أول كلّ علم نأخُذ بعض المبادئ المهمة عن ذلك العلم، والمبادئ اشتهر أنها عشرة، مجموعة في قول الناظم:

إن مبادئ كل علم عشـرة

 

الحد والموضوع ثم الثمرة

ونسبة وفضله والواضع

 

والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى

 

ومن درى الجميع حاز الشـرفا

اسم هذا العلم

له عدة ألقاب وأسماء هي أعلام عليه، وقد ألَّف عدد من العلماء في هذا العلم وسموا كتبهم ببعض تلك الأسماء، فمن ذلك:

- (علم الحديث) ألَّف أبو عبدالله الحاكم: «معرفة علوم الحديث»، وهكذا الكتاب المشهور: «علوم الحديث» لابن الصلاح.

(مصطلح الحديث) سمَّى ابنُ حجر كتابَه «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر»، وسمّى القاسميُّ كتابه : «قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث».

(أصول الحديث) ألَّف الجرجاني «المختصر في أصول الحديث».

(أصول الرواية) ألَّف القاضي عياض: «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع».

(علم الرواية) ألَّف الخطيب: «الكفاية في عِلْم الرواية»، ونظمَ ابنُ الجزري منظومته المشهورة وسماها «الْهِدَايَة فى علم الرِّوَايَة».

حد هذا العلم

أي تعريف علم الحديث وحقيقة مصطلح الحديث.

قال ابنُ جَماعة: «عِلْمٌ بقوانين أو قواعد يُعرَف بها أحوال السند والمتن من صحَّة وحُسْن وضعف، وعلوّ، ونزول، وكيفية التحمُّل والأداء، وصفات الرجال، وغير ذلك».  نقله السيوطي في «التدريب» (1/26)، والقاسمي في «قواعد التحديث» (75).

وقال ابنُ حجر: «وأولى التعاريف لعلم الحديث: معرفة القواعد التي يُتوصّل بها إلى معرفة حال الراوي والمروي». «النكت» (1/225).

وقال البقاعي: «علم الحديث هو: علم يُبحث فيه عن سُنَّة النبي ﷺ إسنادًا ومتنًا، لفظًا ومعنى، مِن حيث القبول والرد، وما يتبع ذلك من كيفية تحمُّل الحديث وضبطه، وكتابته وآداب راويه وطالبه». «النكت الوفية» (1/63).

موضوعه

أما موضوعه فهو السَّند، والمتن، أي الرَّاوي والمروي فنحن في علم مصطلح الحديث ندرسُ قواعدَ كثيرةً تتعلّق بـ (الراوي) وهو: مَن ينقل الحديث. ويكون في الإسناد، من الصحابة، إلى المصنِّفين كعبدالرزق، والخطيب. مِن أحوال الرُّواة وصِفَة كُلّ رَاو، والمخْرَج، والطُّرق، والصِّيغ. وكذلك ندرُس قواعدَ كثيرةً تتعلّق بـ (المروي) وهو المتن، سواء كان مضافًا إلى النبي ﷺ من قوله، أو فعله أو تقريره. أو إلى غيره.

وذلك لـ معرفة حال السند والمتن جملةً وكذا على التفصيل، وذلك بمعرفة كل راو وكلّ لفظةٍ في المتن، وفِقْه المتن وغريبه. فنحن لا نقتصِرُ على معرفة حال السند والمتن جملة، بل نهتم بمعرفة حال كلّ راوي في السند بعينه، وكل لفظة في المتن بعينها.

والسَّند: الطريق الموصِلَة للمتن. وهو العُمْدة لقبول الخبر. والإسناد: رفع الحديث إلى قائله. والفعل يستعمل لشيء واحد، تقول أسندَ الحديثَ: أي رفعه بذِكْر ناقِلِه إليه. والأخبار لابد لها من النَّقل، ولا تُقبل إلا إذا ثبتت، ولا يُعرف ثبوتها إلا بالإسناد، ومِن هنا أجمع العلماء على أنَّ (الإسناد من الدِّين). وهو من خصائص هذه الأمة.

والمتن: نعني به ما يَنتهي إليه السَّند مِنَ الكلام ونحوه.

ونظرُنا في الإسناد يكون إلى ثلاثة أمور:

الأول: ننظر إلى رجال الإسناد.

الثاني: إلى الصِّيغ، وما هي الصيغ؟ هي الألفاظ التي يُعبّر بها الرواة في الرواية عن شيوخهم، كالسَّماع، والتحديث، والإخبار، والعَنْعَنة، ونحوها كقال ويرفعه، ويَنْميه.

الثالث: الاتصال، هل هذا الإسناد متصل أو غير متصل؟ أي: هل أخذ كلُّ راو عمَّن هو فوقه في الإسناد إلى أن يصل إلى منتهاه. بحيث لا ينقطع.

ونظرنا في المتن إلى أمرين:

الأول: رواية.

الثاني: دراية.

أي من حيث الثبوت في الجملة ومن حيث ثبوت كل كلمة كلمة، ثمَّ لنا نظر آخر في معاني هذا المتن وما يحمله من الفقه والعلم والعمل.

ثمرة هذا العلم

ينبني عليه معرفة ما يُقبل ويُعمَل به، وما يُردُّ ويُجتنب ويحذر منه. وصيانة الدِّين عما أضيف إليه وليس منه، وصيانة السُّنة عن الضعيف ودونه، وتنقية سائر المرويات في علوم الشرع عن مرويات الواهمين والواهين والكذابين.

قال السيوطي في ألفيته:

عِلْمُ الْحَدِيثِ: ذُو قَوَانِينَ تُحَدّ

 

يُدْرَى بِهَا أَحْوَالُ مَتْنٍ وَسَنَدْ

فَذَانِكَ المَوْضُوعُ؛ وَالمَقْصُودُ:

 

أَنْ يُعْرَفَ المَقْبُولُ وَالمرْدُودُ

فجمع البيتان: الحد، والموضوع، والغاية.

وجميع المرويات التي يُستدل بها مبنية على الأسانيد، وجميع الأسانيد مبنية على قواعد هذا العلم، وهذا كلُّه من الدِّين. قال ابنُ سيرين: (الإسناد من الدِّين ولولا الإسناد لقالَ مِن شاء ما شاء).

وقال أيضًا: (إنَّ هذا العلمَ دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم) ذكرهما الإمام مسلم في مقدمة صحيحه.

وقال ابنُ المبارك: (بيننا وبين القوم القوائم) يعني: الإسناد. ذكره مسلم أيضًا.

وقال الثوري: (الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معهُ سِلاح فبأيّ شيء يقاتل). ذكره الخطيب في «شرف أصحاب الحديث».

نسبته

أما نسبته: فهو من العلوم الشرعية، ومن أهم علوم الآلة، وكلُّ علم مفتقر إليه، وهو ركن فيه.

فعلوم القرآن والتفسير والعقيدة والإلهيات والسيرة والتاريخ والفقه والآثار والأخلاق والسلوك وغيرها كلها مفتقرة إلى تحقيق هذا الفن وتحريرات أهله لأنه لها كالمفتاح، ولمسائلها كالمصباح، فإنه عمدة وأساس كل المرويات فيها.

فضله وأهميته

أما فضله فكل دليل دلَّ على فضل الحديث وحفظه، إذ هو طريْقُه، كحديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» [أخرجه أحمد وهو في الجامع الصحيح].

قال القاري: «لو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يَستفيد بركة هذه الدعوة لكفى».

وساق الإمامُ الذهبي إلى الرامهرمزي قال: حدثنا زنجويه قال حدثنا الإمام البخاري قال سمعتُ علي بن المديني  رحمه الله  يقول: (التفقه في معاني الحديث نصف العلم ومعرفة الرجال نصف العلم).

هذه فائدة عزيزة تبيِّن لنا أهمية عِلْمَي أصول الحديث وأصول الفقه، فإنَّك إذا حُزتَ على هذين الأمرين إن شاء الله يفتتح لك أبواب كثيرة من أبواب العلم .

قال العلَّامة المعلِّمي  رحمه الله : «هيهات أن يُعرف الحق من الباطل إلا بمعرفة أحوال الرواة، وإذ كان لا بد من معرفة أحوال الرواة فلا بد من بيانها ومعرفتها بأنْ يُخبر كلُّ مَن عَرف حال راو مِن الرُّواة بحاله ليعلَمه الناس، وقد قامت الأمة بهذا الفرض كما ينبغي». [من كتاب له مفيد في علم الرجال. آثار المعلمي 15/219].

وتطابقت كلمةُ أهل العلم على أنه لا يُقال للرجل عالم أو شيخ إلا إذا كان عارفًا بأحوال الرجال والرواة والحكم على الأسانيد فكيف يَستدل إذا لم يثبِّت عرشَه، وكيف يَستدل بالأحاديث والموقوفات وكيف يَقتدي بالمقطوعات؟ لا بد له من هذا.

وقال ابنُ الصلاح في مقدمة علوم الحديث: «وَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْعُلُومِ الْفَاضِلَةِ، وَأَنْفَعِ الْفُنُونِ النَّافِعَةِ، يُحِبُّهُ ذُكُورُ الرِّجَالِ وَفُحُولَتُهُمْ، وَيُعْنَى بِهِ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ وَكَمَلَتُهُمْ، وَلَا يَكْرَهُهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رُذَالَتُهُمْ وَسَفَلَتُهُمْ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ تَوَلُّجًا فِي فُنُونِهَا، لَا سِيَّمَا الْفِقْهُ الَّذِي هُوَ إِنْسَانُ عُيُونِهَا، وَلِذَلِكَ كَثُرَ غَلَطُ الْعَاطِلِينَ مِنْهُ مِنْ مُصَنِّفِي الْفُقَهَاءِ، وَظَهَرَ الخَلَلُ فِي كَلَامِ المُخِلِّينَ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

وَلَقَدْ كَانَ شَأْنُ الْحَدِيثِ فِيمَا مَضَى عَظِيمًا، عَظِيمَةً جُمُوعُ طَلَبَتِهِ، رَفِيعَةً مَقَادِيرُ حُفَّاظِهِ وَحَمَلَتِهِ، وَكَانَتْ عُلُومُهُ بِحَيَاتِهِمْ حَيَّةً، وَأَفْنَانُ فُنُونِهِ بِبَقَائِهِمْ غَضَّةً، وَمَغَانِيهِ بِأَهْلِهِ آهِلَةً، فَلَمْ يَزَالُوا فِي انْقِرَاضٍ، وَلَمْ يَزَلْ فِي انْدِرَاسٍ حَتَّى آضَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ صَارَ أَهْلُهُ إِنَّمَا هُمْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةُ الْعَدَدِ، ضَعِيفَةُ الْعُدَدِ ...» الخ ما كتبه في مقدمته  رحمه الله .

ومن فضله: كثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ، وقد قال: «من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا».

قال الخطيب: «قال لنا أبو نعيم هذه منقبة عظيمة يختصّ بها رُواة الآثار ونقلتها لأنه لا يُعرف لعصابة من العلماء من الصَّلاة على رسول الله ﷺ أكثر مما يعرف لهذه العصابة».

ومِن أدلة فضله: قوله ﷺ: «لا تزال طائفة مِن أمتي منصورين لا يضرُّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة». قال البخاريُّ وابنُ المديني وجماعة من الأئمة: هم أهل الحديث.

استمداده

أما مِن أين يُستمد فمن الكتاب والسنة، وكلام أئمة الجرح والتعديل وتصرُّفاتهم، من الصَّحابة فمَن بعدهم، وكذا من مصنفات علماء الحديث وأحكامهم.

فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية واضحة في وجوب التبيُّن في خبر غَير العدل، ومفهوم الآية: قبول خبر الثقات.

وقوله ﷺ: «بلِّغوا عَنّي ولو آية» وقوله ﷺ: «فرُبّ مُبلَّغ أوعَى مِن سَامِع» ظاهر الدلالة في : الإملاء والتحديث والتبيلغ، والرواية باللفظ، والفقه في المروي ... الخ.

وقال ابنُ عباس  رضي الله عنه : (كنا إذا سمعنا الرّجل يقولُ: قال رسول الله ﷺ؛ ابتدرناه بأبصارنا، فلما ركبَ الناس الصَّعبَ والذَّلولَ لم نأخُذ من الناس إلا ما نعرف».

وقال ابْنِ سِيرِينَ: « لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ». [ذكرهما مسلم في المقدمة].

 ولاشكَّ في حاجةِ المحدّث إلى تعلم لغةِ العرَب لفهم كلام أهل الحديث.

واضعه

ذكَر ابنُ حجر  رحمه الله  في أوائل «النزهة» طائفةً من العلماء مـمَّن يُعتبرون مِن أول مَن ألَّف في علم الحديث، واهتموا بتدوينه وتهذيب مسائله وترتيب أبوابه.

وكان للصَّحابة رضي الله عنهم  جهود كبيرة في كتابة الحديث النبوي واشتهر عن بعضهم كتابة بعض الصحف، وأيضًا اشتهرتْ جملة من قواعد هذا العلم في كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم ، وأخذت مِن تصرفات بعض التابعين، ولكن لم يكُن لهذا العِلم واضع معيَّن معروف كما يُقال في بعض العلوم الشرعية، كما يُقال في علم العروض، وعلم الأصول، ونحوهما.

ولاشك أنَّ السَّلَف الأولين كان جلّ اعتمادهم على حفظهم القوي، بالإضافة إلى النَّهي القديم عن كتابة الحديث الذي كان أوّلًا، فهذه كانت من الأسباب لعدم كثرة كتابة الحديث في الصَّدر الأول فضلا عن كتابة قواعده.

ثمَّ اشتهر التدوين في زمن التابعين إلا أنه يَغلب عليه عدم الترتيب على الأبواب.

وأما قواعد هذا العلم فضُبطت في المصنفات شيئًا بعدَ شيء، إلى أن اكتمل كغيره من العلوم، وتوسَّعت المصنفات فيه في القرن الرابع والخامس.

ثمّ صُنفت في علم الرواية مطولات ومختصرات ومنظومات ومنثورات كثيرة جدًّا وتتابعت التصانيف حتى لم يبْق نوع مِن أنواعه إلا وأُفردَت فيه بعض الأجزاء والمؤلفات.

وما هذه المنظومة إلا ثمرة من تلك الثمرات اليانعة لأهل الحديث رحمهم الله.

حكم تعلمه

فرض كفاية، وقد يتعيّن على شخص أو جماعة بأعيانهم.

قال شيخ الإسلام: «وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعيَّن؛ مثل طلب كلّ واحدٍ عِلْم ما أمرَهُ اللهُ به وما نهاه عنه؛ فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وكل مَن أراد اللهُ به خيرا لا بد أنْ يُفقِّهه في الدِّين فمن لم يفقِّهْه في الدِّين لم يُرد الله به خيرا، والدِّين: ما بعثَ الله به رسوله؛ وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به ... والمقصود هنا: أنَّ هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقُم بها غير الإنسان صارت فرض عَين عليه لا سيما إن كان غيرُه عاجزًا عنها». مجموع الفتاوى (28/8082).

مسائله

أما مسائله فهي الأنواع التي تُذكر فيه وما يتبعها مِن شروط وتفاصيل وقواعد، سواء تلك التي تتعلّق بالإسناد أو تتعلق بالمتن. فدخل فيه: علم الرجال وطبقات الرواة وأحوالهم جرحًا وتعديلًا، وعلم العلل، وعلم التخريج، ومناهج المحدثين، وفقه الحديث وغريبه ومشكله، ومختَلِفه، وغير ذلك.



([1]) «الرسالة المستطرفة» (218).

([2]) (5/44).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح